القرطبي

341

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا ، فأما قول أبي عبيدة : إن " لا " زائدة فقد رده عليه جماعة ، لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع ، ولا فيما يقع فيه إشكال ، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا ، لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه ، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تحرم . وقيل : في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها ، أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ، قاله الزجاج وأبو علي ، و " لا " غير زائدة . وهذا هو معنى قول ابن عباس رضي الله عنه . قوله تعالى : ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ) تقدم القول فيهم . وفي الكلام حذف ، أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج ، مثل " واسأل القرية " ( 1 ) [ يوسف : 82 ] . ( وهم من كل حدب ينسلون ) قال ابن عباس : من كل شرف يقبلون ، أي لكثرتهم ينسلون من كل ناحية . والحدب ما ارتفع من الأرض ، والجمع الحداب مأخوذ من حدبة الظهر ، قال عنترة : فما رعشت يداي ولا ازدهاني * تواترهم إلي من الحداب وقيل : " ينسلون " يخرجون ، ومنه قول امرئ القيس : * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ( 2 ) * وقيل : يسرعون ، ومنه قول النابغة : ( 3 ) عسلان الذئب أمسى قاربا ( 4 ) * برد الليل عليه فنسل يقال : عسل الذئب يعسل عسلا وعسلانا إذا أعنق وأسرع . وفي الحديث : ( كذب عليك العسل ) أي عليك بسرعة المشي . وقال الزجاج : والنسلان مشية الذئب إذا أسرع ، يقال : نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ونسلانا ، أي أسرع . ثم قيل في الذين ينسلون من كل حدب : إنهم يأجوج ومأجوج ، وهو الأظهر ، وهو قول ابن مسعود وابن عباس . وقيل : جميع الخلق ، فإنهم يحشرون إلى أرض الموقف ، وهم يسرعون من كل

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 245 فما بعد . ( 2 ) البيت من معلقته وصدره : * وإن تك قد ساءتك منى خليقة * ( 3 ) وقيل : هو للبيد كما في ( اللسان ) مادة ( عسل ) . ( 4 ) القارب : السائر ليلا .